الأربعاء، 16 مارس 2011

في خضمّ الحديث عن الإصلاح

تمهيد
لقد ساعدت ثورة الطلب على الديمقراطية بالإضافة لثورة الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات التي تجتاح العالم اليوم على تأكيد المسألة الإلكترونية الرقمية بشكلٍ أصبح يشار من خلالها إلى الفجوة الرقمية بين المجتمعات المتقدمة الديمقراطية والمجتمعات التي تسعى للوصول إلى الديمقراطية.

ولم يعد هناك من ظاهرة أو حالة إلا وهي قابلة للقياس بالرقم؛ بدءً من شدة الزلزال (قد يكون زلزالاً سياسياً أو اقتصادياً مثل ما حدث في تونس ومصر وليبيا) ومروراً بالأداء الاقتصادي والتنافسية وانتهاءً بسيادة القانون والحكم السياسي.

ولنا في ما حدث في تونس ومصر وما يحدث اليوم في ليبيا واليمن مثالٌ واضحٌ على تلك الظاهرة الرقمية التي حلّت محل المؤشرات التمثيلية. وهو تطورٌ في الإتجاه الصحيح يصب لمصلحة الشعوب العربية على وجه الخصوص، بعدما اعتقد البعض أنه سينعكس سلبياً على الشعوب العربية التي سيصار للسيطرة عليها من خلال غرفة تحكم.
وبعيداً عن تلك الثورةِ الرقميةِ، نأخذُ مثالاً للإصلاح والتحول نحو الديمقراطية لم يقتصر على دولة بذاتها، بل على قارة ممتزجة بألوانٍ عدة ولغات كثيرة وأعراق متنوعة، عاشت عصراً مظلماً وخرجت من "الظلمات إلى النور" جراء تحولها لنظام ديمقراطي شمولي، فالاعتقاد باستمرارية الديمقراطية كحكم وأسلوب حياة أعطى لأوروبا مجالات كثيرة من التفوق والتنوع المتمثل بالمنظومة الفكرية النهضوية، من منطلقٍ بسيط يتجسد باحترام التعددية الفكرية الثقافية والسياسية.

تلك الصورة الديمقراطية تتجسد ببساطة في مكنون العلاقة بين السلطة والشعب، بين المجموعات والأفراد، فكانت صورة الإصلاح تلك مذهلة خرجت من سلطة الفرد المطلقة والطاعة العمياء إلى صورة سياسية عامة، يحكم فيها بعقلانية ولأجل الجميع وبإيمان مطلق من العمل لأجل العمل (الجميع من أجل الفرد، والفرد من أجل الجميع) لا من أجل المكافأة، أو الخوف من مكونات العقلية البوليسية صاحبة العلاقة الفردية المتسلطة التي تبنى على أساسها السيادة الشرعية للحكم من منطق القوة كما يحدث في بعض بلاد العرب أوطاني.

فكسبت الديمقراطية الأوروبية قوتها الشرعية من خلال حكامها، لأن ديمقراطية الغرب وحرية المواطن اليوم لم تكن محلصة لمواصفات الحكام، بل أصبحت نتيجة طبيعية أفرزتها عقلية المجتمع الأوروبي،  وكذا الحال بالنسبة لنا في الوسط العربي فكل ما نحن عليه اليوم هي محصلة طبيعية للعقلية العربية.

فهل تختلف  ديكتاتورية رجال الدين الذين يقيمون الحد على من هب ودب، والذين يلوحون بسيوف الردة لكل من لا تروقهم آراؤه،هل تختلف ديكتاتورية هؤلاء، في جوهرها عن ممارسات كل صاحب سلطة دينية، سياسية، اجتماعية، عسكرية، في المدارس، في الشركات، في الباصات، في المزابل، في ملاعب الكرة، في هذا العالم العربي الكبير؟
وبعيداً من جديد على مثال التحول نحو الديمقراطية في أوروباً وفي الأردن على وجه التحديد، كثرت الحركات التي تنادي بالإصلاح والتي جاءت في معظمها نتيجةً لتلك الثورة الرقمية، فجل من ينادي بالإصلاح بالمنظور المطروح، ينادي به من خلال فضاءٍ إلكتروني أثبت أنه قادر على التغيير الحقيقي وعلى بناء صورة ليست نمطية موروثة، وإنما صورة حقيقية للتحول نحو الديمقراطية والإصلاح الشامل.

لكن معطيات تلك الصورة "الإصلاحية" اليوم متشعبة ومختلطة بمفاهيم كثيرة، ومن المفروض أن تكون تلك المطالب غير مرتبطة بأية مسوغات شخصية،  فهل مطالب العشائر "بالواجهات العشائرية" يندرج تحت مطالب الإصلاح؟

فحتى يتحقق إصلاح وطني منشود يجب علينا بدايةً خلق معنى حقيقي للهوية الأردنية بكافة أشكالها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فإذا كنا نسعى لتداول سلمي للسطة عبر برلمان منتخب بشكل ديمقراطي واستقلالية للإعلام ومكافحة الفساد والفاسدين واستقلالية للقضاء ومساواة أمام القانون ولدولة مؤسسات بعيداً عن الإقليمية والعشائرية، إذا كنا نريد كل ذلك، يجب إعادة تعريف الهوية الأردنية التي تشكل في صورتها كل من هو أردني بصرف النظر عن أصله ومسقط رأس أبويه.

فالصورة المطروحة اليوم محبطة، فبعض أولئك الذين ينادون بالإصلاح هم بأمس الحاجة إليه، وفي خضمّ كثرة المطالب تشتت الأمور كثيراً، فأصبحت كل مجموعة تتكون من 5 أفراد تنادي بالإصلاح على هواها، وهذا بذاته شتت عملية المناداة بالإصلاح، بل وأعطى فرصة كبيرة للحكومة لتهميش دورمن ينادي بالإصلاح على سبيل الجماعات والأفراد، ولنأخذ مثالاً بسيطاً نعيشه كل يوم، فالإخوان المسلمون يريدون إصلاحاً يتماشى وأهوائهم، واليسار كذلك الأمر، والتيار الوطني التقدمي يريد إصلاحاً طرحه من خلال ورقة خاصة "بالإصلاح" وأبو محمد وأبو علي وأيوب وزينب يريدون إصلاحاً .. فأي تخبطٍ هذا الذي نعيشه اليوم؟

وبشكلٍ موازٍ لتلك الصورة، تطرح الحكومة المتناقضة في أقوالها وأفعالها برنامجاً صورياً للإصلاح، لنعود إلى تلك الحلقة المفرغة التي ينادي بها الجميع بالإصلاح مما قادنا إلى عشوائية غير متوقعة وفراغ سياسي وإصلاحي، إذ يبدو أن صورة الإنقسام ستسحوذ على الشارع، فذلك التشتت سيقودنا إلى انقسام أكبر وضياع أكثر للهوية الأردنية.

إذا كنا نسعى للإصلاح الحقيقي، يجب أن  تلتف كل التيارات المنادية بالإصلاح لتشكل تياراً واحداً للضغط على الحكومة لصياغة مسودة للإصلاح حتى لا تضيع المطالب، إضافة إلى أن يكون هدف الإصلاح عاماً وليس مكسباً شخصياً. فالمطلوب اليوم هو كسب تأييد الشارع الأردني من خلال خطة واضحة تتعلق بالإصلاح.

وأختتم بجملة اقتبسها من كتاب الدكتور مروان المعشر: The Arab Center: The Promise of Moderation الوسط العربي: وعد الاعتدال، يقول فيها " إن أي جهد نحو الإصلاح في العالم العربي، لا بد أن يتضمن الإلتزام بمبدأين أساسيين هما: الإلتزام بالتعددية السياسية والثقافية، والإلتزام فقط باللجوء إلى الحلول السلمية ونبذ العنف وأن هذه المبادئ يجب أن تكون راسخة في الثقافة السياسية العربية".

الاثنين، 7 مارس 2011

خطاب الثورة

نظرة لما بعد الثورة

لا زالت الثورات العربية مستمرة، وستبقى قائمة ما دام هنالك شعور بالظلم واشتياق لكرامة وحرية افتقدناها كثيراً، لكن اليوم وبعد أكثر من شهرين على “ثورات الشعوب العربية” تشكل لدينا خطاب معاصر من المفروض أن يتماشى ومقتضيات العصر، ذلك الخطاب فنّد الكثير من النظريات وعرّى الأنظمة العربية بكافة تجلياتها، البوليسية منها والسياسية والاجتماعية وحتى الدينية، فباتت تلك الأنظمة اليوم بالمعنى الحقيقي المنظور فاقدة للشرعية، لأننا بتنا على يقين أن الشرعية اليوم تحددها الشعوب دون اللجوء إلى نظريات تلك الأنظمة.
وعرّت تلك الثورات بعض أحزاب المعارضة التي شكلت صورة قاتمة على مدار السنوات السابقة، فبينت أن تلك الأحزاب لا تختلف عن الأنظمة في قمعها للرأي والرأي الآخر، وأن تلك الأحزاب في معظمها تشكل حزب “الشخص الواحد” والفكرة الواحدة التي من المستحيل أن تكون قابلة للتداول مثل السُلطة لدى الأنظمة. بل وبينت هذه الثورات مدى انتهازية الكثير من تلك الأحزاب التي لم تكن فاعلة بما يكفي لتكون أحزاباً وطنية بامتياز تعمل من أجل الوطن والمصلحة العامة، بل كان سعيها للسلطة بطريقة منفرة للآخر. تلك الأحزاب معارضة كانت أو موالية مع تحفظي على “الموالاة والمعارضة” عملت لتنفذ توجهات الأنظمة ذاتها مع اختلاف الصورة بالظاهر وتشابهها بالمضمون. ولنا أن نسوق مثالاً واضحاً على فشل تلك الأحزاب وانتهازيتها وهو ما يحدث اليوم في الساحة العربية، فتلك الثورات التي أسقطت المثال والتمثال لم تكن تنظيمية بالمعنى الواضح ولم يكن معظم الذين قادوها مسيسين أو ينتمون لأحزاب، فلم يكن لأي تنظيم أو حزب أو جهة أو حركة علاقة مبدئية بثورة الشباب العربي.
كما وبين ذلك الخطاب أن الخلل الأساسي كان في العقلية العربية، فاليوم في عالمنا العربي نحن بحاجة لتجاوز مرحلة تتبع أخطاء تاريخ مزور قد انتهى، فكل ما نعيشه اليوم في الوسط العربي من تخبط هو نتيجة طبيعية، وإفراز منطقي لواقع المجتمع العربي المخلخل في بنيته، إذ أننا بحاجة لدراسة واقعنا العربي بكل متعلقاته، وبحاجة لتقديم نقد جذري للعقلية العربية، وللذهنية التي تحكم منطلقاتنا للحياة، ومقارباتنا للوجود.
فلا زالت معظم الأنظمة العربية الأخرى التي لم تطلها حُمّى الشعوب غائبة وبعيدة عن ذلك الخطاب الذي فرضته اليوم إرادة الشباب.
فهل هي مصادفة أن تكون كل الانظمة العربية متشابهة إلى حد التطابق؟ وأن يكون معظم الزعماء نماذج متشابهة وكأنها نسخ “كوبي وبسيت،” مع اختلاف في طريقة الأداء؟
وهنا مشكلة، لا بُدّ أن نتجاوزها اليوم، هذه المشكلة لا تكمن في الأنظمة فحسب، بل تكمن في العقلية العربية التي أفرزت نماذج لا زالت تتبنى منظومة فكرية بدائية، تستند إلى إيدلوجيات متخلفة وستفرز دوما نفس النماذج إذا ما بقي الحال على ما هو عليه.
ما أعنيه هو أننا بحاجة لدراسة الحالة العربية بوصفها ظاهرة تتسق ضمن صيغة واحدة، تستند إلى مرجعيات مشتركة تخص العقلية العربية، لا بوصفها حالات فردية، فلن ينفعنا كثيراً تتبّع ممارسات زعماء الأنظمة العربية (مثلاً) بوصفهم أفرادا يمارسون طقوس القمع على مواطنين “عاجزين.”
ونتيجة لهذا الخطاب المعاصر أيقنت الشعوب العربية أخيراً أن ثمة خللاً في المنظومة المعرفية بكل ما يتعلق بها من حيثيات، وتحاول الشعوب العربية أن تقدم نقداً حقيقياً “للمتفيزيقيا” العربية وأوهام المرجعيات الدينية لأنهم أدركوا أن المشكلة تكمن في طريقة التفكير، وفي طرق التعاطي مع الواقع، لذلك استطاعت شعوب تونس ومصر واليمن وليبيا وغيرها اليوم أن تخرج من حكم تلك السلطات لتتشكل التصورات التي ستعيد كتابة التاريخ من جديدْ.
واختم بمقولة جبران خليل جبران “لن تنجح الملايين من الجداول الصغيرة في اختراق الصحراء، فمياهها ستختفي في أعماق الرمال. ولكن اذا جُمعت معا فإنها تصبح نهرا كبيرا يكفي لعبور الصحراء.”